ليــلة القــدر بين الحقـيقة والأسطــورة

بقلم/ محمد صالح يونس الضوّاي

يحتار المرء في أمر ليلة القدر التي ذكرها القرآن بأنها خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر. والحيرة نفسها يجدها في الرواية الدينية الشعبية التي تصور ليلة القدر في مظاهر وهمية تفوق الأسطورة والخيال.

منذ نعومة أظافرنا كان لليلة القدر حديثا يردده الناس كلما نوى رمضان الرحيل، نسمع عن الناس حكايات مختلفة، هناك من يستند على روايات أسطورية خرافية، وهناك من ينتصر لحكاية اللائي يئسن من المحيض، فيجتهد المتعبدون السالكون في البحث عن هذه الليلة في المساجد والزوايا، وبعضهم يختفي في المحاريب بحثا عن هذا الكنز العظيم.

وبحسب وكالة (NASA) أن ليلة القدر تصادف يوما تكون فيه السماء صافية من الغيم، خالية من الشهب والنيازك، من وقت غروب الشمس إلى مطلع الفجر. إلا أن  هذا التحديد لا يكشف عن لثام الحيرة والاضطراب، فهل يعتمد المسلمون وقت الغروب في نيودلهي أم في نيو يورك، أم أن هنالك ليالي قدر في كل بلد، أو أن مقادير أخرى لا يعلمها إلا رب العالمين.

تقول نظرية [التّسول] إن هذه الليلة مليئة بالخيرات والبركات، فإذا صادفها الإنسان ستُفتح له بركات من السماء، يغرف منها ما شاء وكيفما شاء. وفي هذا الشأن يُحكى أن رجلاً ضاعت عنه  إبله التي يبلغ تعدادها مئة بعير، فبقي أثرها في نفسه، فلما جاء رمضان اعتكف آخر الشهر، جاءته ليلة القدر، رفع رأسه إلى السماء، وقال من شدة الفرح: يارب ارزقني مئة عِقال، وكان يقصد مئة بعير، ألحّ الرجل في الطلب ثم نام، فلما جاء الصبح استيقظ باكرا، فوجد أكواما من العُقُل أمام بيته.

ويُروى في الأساطير الشعبية، التي تشبه ليلة القدر بكائنات غريبة، تأتي على صور وأشكال عجيبة، مرة تظهر للمتهجد المعتكف في هيئة ملك كريم، وأخرى في صور حيوانات مخيفة ، نسور وثعابين وضفادع وغير ذلك من الزواحف والطيور والحيوانات غير المألوفة.

يتزامن مجيء هذه الكائنات مع نزول ليلة القدر، وتختفي عند ذهابها، فإذا خاف المتهجد من خرير الثعابين أو زئير الأُسود أو حشرجة الضفادع أو نطيح الجواميس… فإن حظه من الشيطان عظيم، وأن أجرا كبيرا ورزقا وفيرا قد فاته برسوبه في هذا الامتحان الخطير.

استراح كثير من الناس وأراحوا أنفسهم بقليل من التأمل في مفهوم سورة القدر التي تتكون من خمس آيات، إذ بيّنت جملة »وما أدراك ما ليلة القدر!« العظمة التي تميزت بها هذه الليلة. و[الميم] التي تتصدر هذه الجملة هي [ميم] إطلاق تفيد الغيب المطلق الذي أوقع الناس في إشكالات ومتاهات…

الإشكال الأول: هل يجد هذه الليلة كل الناس، حتى الخيّاطين الذين لا يبيتون سجدا وقياما، أم أنها مخصوصة بالعباد والنساك فقط؟ وهل حدث في تاريخ البشرية أن أحدا صادف يقينا ليلة القدر وظهرت نتائجها واضحة جلية؟ وهل هي ليلة كاملة أم أنها برق خاطف يمر مر السحاب؟

الإشكال الثاني: هل رُفعت ليلة القدر مع موت النبي صلى الله عليه وسلم أم أنها باقية إلى يوم القيامة؟ وإذا كانت باقية، ما لونها، ما شكلها، إن الليالي تشابهت علينا…

إن هذه الإشكالات مستمدة من القرآن نفسه، فقد بيّن الله سبحانه وتعالى خيرية هذه الليلة فمن أدركها فكأنما أدرك نيفاً وثمانين سنة، لكنه أخفاها عن المظان كما أخفى الموت والرزق.

فهناك من يتلمسها في رمضان كله، وهناك من يصطاد العشر الأواخر، ونوع ثالث يدعى الذكاء على الله يستهدف الليالي الفردية من العشر الأواخر، والكل يدعو بما يتمناه، فمنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ومنهم من يقول ربنا آتنا قناطير مقنطرة من ذهب وسيفا، ومنهم ما دون ذلك…

ليست ليلة القدر مشروطة بكثرة القيام والتباكي بالمكبرات الصوتية طوال الليل، وفي واضحة النهار يصبح ذلك المتباكي شرا مستطيرا في تعامله مع الناس! يأكل الربا، يأكل أموال اليتامى ظلما، يسرق الدولة، يلوك أعراض الآخرين، صائم بالنهار قائم بالليل.

إذن، هي ليلة قدر بكل مرونة، وليست ليلة رزق وكسب، هي ليلة معنوية تُضاعف فيها الأجور حسب النيات، والأعمال تباعا لها، مثلها مثل سائر العبادات والطاعات، فقد نجدها في أزقة رضينا أو أحد شوارع دقيل زعفايه بين دموع اليتامى وهموم الأرامل.

دموع اليتامى مَنْ يكفكفها يوم العيد؟ بيوت الأرامل والمساكين التي هجمها البؤس مَنْ يواسيها؟ لا حلوى ولا أحذية، ولا أقمصة، ولا لُعبة أطفال، ولا ديكور يميز شكل البيت عن سابقه… بيوت لا تُعد ولا تُحصى يخيم عليها هذا الوضع المأساوي على مدار السنين، ولسان حال اليتامى يقول:

أماه هذا الجــــــــــوع مزق باطني

                        وسرت بأحشــــــائي وقلـــــبي النار

ها هم رفاقي في الطريق تواثبوا

                         في خفة وكــــــــــــأنهم أطــيار

للعيد قد لبثوا الجــــديد وهللوا

                          بثــــيابهم تتـــــــــــــلألأ الأنوار

في كف كل كعــــــــكة أو لُعبة

                           يلهو بها أو عنده مزمــــــــــار

وحدي بقـــــــيت أنا أجرع غصة

          في غصـــة وبعيني استـــــــعبار

هنا توجد ليلة القدر، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.