حمزة طاهر باشر

بأي حــال عــدت يا عــيد؟

بقلم : حمزة طاهر باشر

      كم منا قد طرح هذا السؤال في قدوم عيد الفطر المبارك، ومع هذا التساؤل  الذي نطرحه بقدومه نتبعه بتساؤلات واستفسارات أخرى في عودته ــ وكأننا نسخة من المتنبي في الهموم والمشاكل والكآبة والحزن سائلين ــ بما مضى أم لأمر فيك تجديد؟ وهكذا تسطر لنا قصيدة المتنبي التشاؤمية في مطلعها حال العيد، وحال الذي يستقبله وفي جعبته جملة من الآلام والمآسي وكأنه المتنبي عينه ذاق طعم الذل والتجاهل واللامبالاة عند كافور، تجد كل ذلك وأنت مار على أبياته التي يسوقها، حيث يتبع مطلع قصيدته ــ بعد استفهامه مستطردا ــ ببيت يستنكر فيه قدوم العيد الذي لا يخفف عن الآلام قائلا:

 أمـــا الأحبـــة فالبيــداء دونهـــــم         فليــت دونك بيدا دونهـــا بيــــد

      وكذا في طياتها نجد تشاؤمه في كافة القصيدة التي كانت فيما بعده تعبيرا عن الكآبة بقدوم العيد الذي يأتي ونفس الآدمي ــ وخصوصا منه التشادي ــ تظل معكوفة على الهموم التي تكالبها، والمصاب التي تحيطها، والنكبات التي احتوتها، ولا تكاد تخرج من ثوبها المحزن حتى تحتويها مصائب تترا، وتلفها هموم ترمي بالعقل إلى تخبط ليس له حل، وسفسطات ليس لها دليل، لأنه انزوى خلف ستار المصائب فلا ترى له نورا يمشي به، ولا تجد له بصيرة يفطن بها، وهذا من شدة الهول!

      منذ أن فتح الله على الشعب التشادي بالمال العام وبارك له، وزاده من خيراته ــ في حضرة صاحب القصر الوردي ــ من صناعة وتجارة واكتشاف منابع البترول والذهب والفضة، والخيل والبغال والحمير، بالتعبير الحديث من طائرات وسيارات وفي المستقبل سفن وبواخر وقطارات، بدأت الحشود تتجه نحو المال جامعة إياه وناسية منهج ربها فيه في آن، فتجلبه تارة من حله وأخرى من حرامه، وبدأت حال الشعب هي الأخرى بالتردي نحو الأسفل، بينما المال العام ذوي السيطرة الخاصة في الصعود نحو الأعلى، والقوم في علاء ما فوقه علاء.

      وتتبعا لتاريخنا القريب، كان البعض في بداية قرننا الحالي، أي الواحد والعشرون، يقومون بتشكيل عصابة من أجل قتل أصحاب الأموال الخاصة، والاستحواذ على ما لديه، وكانت هذه الطريقة سارية المفعول قبل أن يعرفوا كيفية الوصول إلى نهب المال العام، وما إن فاض وعرف الناس الطرق المؤدية إليه، قامت باستخدام كل الوسائل والطرق إلى نهبه، لنستقبل ظواهرا لا مرحبا بها، ولا أدامها الله مثل الفساد الإداري والرشوة، ونهب المال عن طريق تلفيق الملفات وازدياد تكلفة المشاريع، مما نتج عن ذلك طبيعيا تربية أولاد الحرام بالمال الحرام طبعا، فعم الفساد الذي رافقه سوء في الإخلاق، وفقدان للتربية، وصنفت البلاد باتخاذ مراتب عالية الشرف في الرقي عند دراسات الأمم المتحدة، مما جعلها تصنف من البلدان المزاحمة في المراتب الأول في شرب الخمور، والفساد الإداري، وقريبا سوء التغذية، وغيرها من المراتب التي ما نلناها إلا بما قدمته أيدينا، وما قدمناه من جهد في تثبيت الظواهر الاجتماعية الهدامة الباقية للأجيال القادمة تارة، والجالبة الشهرة للقادة في الزمن الحاضر أخرى، ناهيك عن السياسة التي اختلط فيها الحابل بالنابل، فكانت كغيرها من المؤسسات ليس لها جديد للشعب والبلد، فصارنا كلانا ضحية الأمل والفال، مرددين اللهم أصلح البلاد والعباد، ولكن هل من مجيب!؟

     زد على ذلك الأزمة، ولا أتطرق لها أبدا، بل كم هن من الأمهات اللاتي يزرفن الدموع في ليلة العيد لأنهن لم يجدن شراء الكعك، ولا عندهن ما يستقبلن به الضيوف، وفوق ذلك لم يجدن الكلام المعطوف من أصحاب الطواقي والعمائم؟ وكم هم الرجال الذين يعلم الخالق حالتهم المأساوية لأنهم لم يستطيعوا إكساء أبنائهم وبناتهم، وتسديد أجرة البيوت، وكم هي الحالات الصعبة التي تمر بها الأسر في استقبال العيد؟ وكم تجد في العشيرة أبناء الإخوة الفقراء في نفس البيت لا يستطيع الواحد أن يكسي أولاده ولا يستطيع أخوه أن يكسي أولاده وأولاد أخيه الذي يعد دونه منزلة في الرزق؟ مع أن الأطفال فيما بينهم لا يعرفون لغة الفقر والضعف والمسكنة! وكم هي الحالات الحرجة التي استقبلنا بها العيد معايشة مع حال المساكين، والذين لا يجدون ما ينفقون!

       الصورة التي رسمتها دالية المتنبي تظل باقية ومتغلغلة في داخل المجتمع التشادي وأبناءه، لأنه ــ مع أن الشعراء يعبرون عما نحس به ونعاني منه من دون الاستطاعة في التعبير عنه ــ عايش في تلك المعاناة، وصابر في تلك المحن، ولو كان سبب صبره مستمد من القهر والضنك والجبر، وفي الأخير ما يتبقى لنا الاعتزاز به هو التوحيد والعقيدة اللتان يعتز بهما المسلم بتطبيقهما، فرغم ما نمر به من أوضاع إلا أن الأمل بالله معقود، والصبر على الشدائد موجود، وهذا هو طريقنا الذي نتمسك به، وكفى بالمؤمن عذابا كالفقر والمسكنة من عذاب الآخرة، متخذين العبرة في ذلك مما يسرده الدعاة عامة، وما كان يردده الداعية والخطيب المفوه عبد الحميد كشك خاصة،  ليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن خاف يوم الوعيد، رافعين لواء الصبر بعد ذلك حتى للأطفال فيما يقدمونه من شكاوي، لأنهم لا يعرفون لغة الوعيد، إنما يظلون متمسكين بالعيد وما فيه من جديد، قائلين على طريقة كفالة اليتيم لشاعرنا الفذ، معبرين عن حالهم ومآلهم:

ها هـــم رفاقــي الطريــق تواثبــوا             فــــي خفة   وكأنهم    أطيـــار

للعيـد قد لبثــوا الجديـد   وهللــوا             بثيــــابهم      تتلألأ     الأنـوار

وحدي بقـــــــيت أنـا أجرع غصــــة              فـــــي غصة وبعينــي استعبار!

أمـــاه أيـن أبـــي؟  فمـا حلت بنـــا             ــ إذ كــان يعمر بيتنــا ــ أضرار

أمــــاه أيـن أبـــي؟  فمـا عادت لنـا             ــ مذ غــاب ــ منـزلة ولا إكبــار

أماه أيـن أبـــي؟ وأيــن حنــــــانه؟             قد كـان نهرا دونــه الأنهــــار

     ومع ذلك نظل جميعا، أي نحن المساكين من كبار وصغار فرحين بقدوم العيد، وبرغم البؤس والفقر والحزن الذي نحن فيه نكون في فأل مستقبلين دالية عائض القرني تفاؤلا وأملا برب العالمين، لما أمدنا فيه من نعم لا تحصى، بقدوم رمضان ومن بعده العيد، الذي في يوم حلوله نرسم على الوجوه بشاشة، وتعم في القلوب الرحمة، مرددين بأحسن تعبير، على حسن نية قائلين:

عيد على خير حال عدت يــــا عيد           فنحن في مسمع الدنيــــا زغـــاريد

إلى أن نصل معه ساردين:

 كن كالضحى مشرقا أو كالسان ألقا         فالبرق قبل نزول الغيـــث محمـود

 الطير غنى ومــال الغصن منتشيــــا         والنهــر صفق والوادي زغــاريــــد

فودع الهم فالدنيـــــــا موليــــــــة         وبشـر النفــس فالبشرى مواعيـــد

 

………………………

رمضــان الحلــقة المفــتوحة

بقلم : حمزة طاهر باشر

       وكأنك استحضرت في ذهنك الآن من عنوان المقال ما يبث في الإذاعة الوطنية بعد إنهاء المؤذن للآذان في وقت الفطور عند صلاة المغرب، مباشرة يعقبه برنامج حلقة مفتوحة، وهو البرنامج الذي يتم فيه استضافة شخصيات لها وزنها على أي حال في المجتمع، تحدثنا عن شعورها في رمضان ، وما تقوم به من نشاطات في هذا الشهر المبارك، وتستمر الحلقة كل يوم في استضافة شخصية من الطبقة العليا من المجتمع حتى آخر يوم من الشهر المبارك.

       ولا شك أن كل بادرة لا تخلوا من الإيجابيات، كما أن بعضها له من السلبيات ما يغطي على الإيجابيات التي يرصدها في طريقه، ومن ضمن هذه الأخيرة برنامج الحلقة المفتوحة الذي ظل لا يستقطب في حلقاته سوى شخصيات الطبقة الأولى في المجتمع، وكأن في نظرهم ــ أي أصحاب البرنامج ــ الحلقة مفتوحة لذوي المناصب والمكاسب والمداخل والموفرين، لا لذوي المتاعب والمشاكل والهموم والمفلسين، وبذلك غطت سلبياتهم على برنامجهم الذي لم يقف على كافة الحلقات المفتوحة في المجتمع، وكافة الشرائح التي تعيش في الواقع، بل آخذين منها فئة قليلة لا تمثل إلا جزء قليل من المجتمع كله، وهذا ما لم يعط البرنامج ثمرته التي ضاعت بين الأغنياء بتجاهل الفقراء.

       الذي يحتم عليهم الفشل توجههم على فئة بعينها،  وقصد مجموعة قليلة من المجتمع، لتسرد كيفية معيشتها في رمضان وما تقوم به من أنشطة ليس أكثر، وكأن التشاديين كلهم يفطرون على التمر والعطرون والمديدة والشوربة والعيش واللحم والدجاج والبيض، وهذا ما لم نخض فيه حيث أنك بعلمك وفهمك وتحليلك تحكم على أن أرزاق العباد متفاوتة، ومتباينة على حسب البون الذي نراه الآن في المناصب والمكانة، فترى المستضاف في الحلقة يفنن لك في ذكر ما يقوم به في رمضان من فضائل ومكارم ومحاسن جلها من أعمال الصالحين وليس المفسدين، ولا شك لو أنه فعلا قام بتلك الاعمال لما كانت توجهاته في الساحة كما يشاهدها الجميع، بل سيصبح داعية من الدعاة، ومثلا للآخرين في الاحتذاء، وليس نصاب محتال سراق، وشارب فاسد زان، وقاس كل فعله طرد وضرب وقتل وسب، ولحاجة من الشوفانية والفوقانية يبتغونها عند الحديث يلبلبون في ذكر المحسنات، وتارة يتمتمون في وصف المساجد، وكأنك تجد الواحد ناسي اسم المسجد الذي يصلي فيه حتى يفتح الله عليه بتذكرها أخيرا، فتراه فرحا في ترددها مرات ومرات ولسان حاله مرددا كأرخميدس فرحا وجدتها .. وجدتها .. وجدتها، وأحيانا يخلط الكلام هابط ونازل، مطنب ومقصر، حاذف وحاذق، زائد وناقص، فيكون الرمضان (رمدان) وننتهز ( ننتزل) ومضامين ( مدامين) … وغيرها من ألفاظ ما أنزل الله بها من سلطان، ظانا في تداخله وخلطه أنه أدرك البلاغة في الكلام ومحاسن إخراج الحروف، وكأنه في منزلة صاحب يوسف عندما أراد الملك من يفسر له الرؤيا قائلا المولى عز وجل على لسانه (أنا انبئكم بتأويله فأرسلون، يوسف أيها الصديق) وهذا من بلاغة القرآن، وفي ظن المستضاف أنه أدرك البغية القصوى من اللغة، والمكانة العالية حتى فاق فيها المتنبي وسيبويه وأبو العلاء، وبعدها يهمهم كبشار بن برد عند قول الشعر، ويسرد الكلام ككاتب عانق الصفحة في الكتابة، ومن الضرورات التي يعانيها المستضاف في حديثه مشكلة النطق باللغة العربية التي تظل عائقا دائما لتجاهله لها، والتقول أحيانا وهذا ما نسأل الله أن لا يوقعهم فيه في هذا الشهر المبارك، وإلا كيف نفسر من ينسى المسجد الذي يصلي فيه دائما صلواته الخمس؟ مع أننا نحسن الظن بأن كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.

       الذي ينبغي أن يسير عليه برنامج الحلقة المفتوحة هو السير وفق مسماه، وهو استقطاب كل شرائح المجتمع، باعتباره حلقة مفتوحة فهو بذلك يشمل الجميع، وهذا ما يخرج لنا البرنامج بالصورة المطلوبة التي تنيره وتفتح له الشرائح قلوبها متعاطفة مع البعض وشاكرة على البعض الآخر، لأننا إذا نظرنا في الواقع حتما سنقف على فئات كثيرة لا تجد من الفطور إلا الماء، وبعضها العطرون، وبعضها الآخر المديدة، وقلما تجد من يستوفي في صفرته العطرون والمديدة والشوربة واللوبيا والعيش، ناهيك عن السمك والدجاج وما ماثلهما، بحكم أننا طبقات عدة فما لدينا أيضا يختلف حسب توزيعنا، ففي الوقت الذي يبدأ فيه برنامج الحلقة المفتوحة باستقطاب كل فئات المجتمع، سائلا عن حال الجميع، مستفهما عن شعور الكل في رمضان، واقفا معهم لمعرفة حاجاتهم، متفحصا احوالهم من عالية حامدة، ومنخفضة شاكية، مستنبطا عن آمالهم وآلامهم، مدققا في حياتهم ومعيشتهم، لا يفند بينهم، ولا يفرق فيهم، وقتها نسمع للبرنامج أقاويل كثيرة منها شاكية للرب تارة، وحامدة الجليل تارة، وأخرى عطوفة تخرج الشارع لتفطٍر معها المساكين تارة أخرى.

       ما نبتغيه للبرنامج هو الإلمام بكل شرائح المجتمع، حتى يزيل عنا علامات الاستفهام التي تظل عالقة ما إذا كان المقدمون قاصدين من وراء استضافة الشخصيات الماديات؟ أم انها أي الشخصيات تريد من وراء استضافتها دعاية لها؟ وهل إن البرنامج حلقات مقصودة لخداع الرأي العام بمعيشتنا في الواقع؟ أم يجري القول على أن الإذاعة نفسها تعد إذاعة حكومية لا للمسكين نصيب فيها إلا ما يريدونه هم؟ وهل إنهم ناسون استقطاب الشرائح لمعايشة معاناتها، أم أنهم مراعون في ذلك علاقاتهم الشخصية بغية غد آخر من أجل التفضل والاستعطاف والتوظيف والترقية والهدايا؟ كل هذه الاستفهامات قائمة لا نعرف الوصول إلى حل لها إلا من طريق البث لبرنامج الحلقة المفتوحة الذي من خلال عرضه نتوصل إلى الكثير من مقاصده في الواقع، وما يريده وما لا يبتغيه.

       وعند قيامه بتناول كل شرائح وفئات المجتمع وقتها نظن به خيرا، ونستطيع القول بأنه شمل كل فئات المجتمع، واقف مع الضعفاء لحس الأغنياء والالتفات إليهم، وواقفا مع الأغنياء ليقيسوا حالهم مع الفقراء، ليرحموهم، فوقتها يتكل البعض على الآخر، ويشد البعضُ البعضَ، وبذلك تكون الحلقة مفتوحة للجميع، دون تمييز بينهما حتى لا يظن المتابعون بأن البرنامج قد فضل بين أبناء المجتمع، وأختار زيد دون عبيد!!

 

………………………

حكاية المفاليس

بقلم : حمزة طاهر باشر

       لا أصدق أنك تقرأ هذا المقال، ولكن حبا في البحث والمعرفة واكتشاف الحقائق سأواصل في الكتابة .. وستواصل في القراءة .. وكيف لا أواصل إن كنت أقصدك أنت .. لأنك في قراءتك لهذا المقال ستستنبط ما أورده من جمل، وتفحص ما أسرده من معاني .. لأنك أنت المحفز الأوحد الذي نستقي منه معارفنا، ولأنك قارئ، ولما كنت أنت المقصود فمن حقك أكتب هذا المقال، ومن حقي أيضا أن أواصل في الكتابة، ومن حقك أيضا أن تقرأ!

       قراءتك هذه ستجلب لك الكثير، ليس حبا فيما لدي من معلومات قيمة أسوقها إليك، ولكن فيما تبتغيه أنت من مواد هامة تريدها ولو من ألسنة الجهلاء والسفهاء والبخلاء والمفاليس، لأنك ستزداد معرفة على فهم سفاهتهم وبلاهتهم وفلسهم، أو كما قال العقاد، ولكن كيف لا تكون هامة إن كانت تمسك أنت، بل حتى تخدش جلدك .. وكرامتك .. ولما أمعنت النظر أجمعت على أن أكتب، لأنك لا محالة ستواصل في القراءة، ولأنها لا محالة ستوصلك ألي معرفة الكثير عن المفلسين، وكيف لا تعرفك بالكثير إن كان المقال يحسك على أمر جلل، لأنه سيفتح لك أبوابا موصدة كبلتها الأيادي، وتلك الأيادي هي التي وقفت أمامك وأمام التقدم، بل ومن قديم الزمان هي وحدها وقفت أمام طريقك وسكرت كل السبل، ووقفت لك بالمرصاد، لأنها تريد لك التخلف، وهذا ما لا أريده لك وللبلاد، فمن أجل ذلك أكتب.

       لا أحبذ أن أدخل في المقصود مباشرة تهيئة لذهنك، ولا أردت من ذلك التريث حتى تظنني بعيدا عن الغاية، لأنك بذلك ستجمع أعصابك على تقبل الأمر الجلل، فلابد من تهيئة الظروف، لتظل في هدوء تام، وتقبل لما أسوقه لك من حقائق، ولأنها حقائق لابد لك من أن تتأملها .. ولا تقول من المفترض أن أسوقها لك مباشرة، لأني أفعل كل ذلك خشية لحالك، لأنني بعدها قد يكون مصيري القبر، والموت كأس يتلقاه كل فرد في الحياة، لكنك أنت الذي تتأثر بعد ذلك، ليس لما يلم بي، ولكن لما تدركه من هفوات، ولئن أجمعتم على الثورة بعد ذلك فهذه هي المخافة الحقيقية التي أخشاها عليك، لا لك، لأنك بعدها إن أزمت على السير ستصل إلي الغاية، ولكن بعد جهد جهيد .. وستفقد خلال ذلك الكثير .. وإن كنت أكتب كل ذلك من أجلك أنت فلا بد أن تكون على الحقيقة، ولو يضطرني ذلك إلي أن أكون صريحا معك في كل شيء، وأن أسوقها لك مباشرة وواضحة، لأنها في الأخير تخصك أنت، وأنا واحد منك في هذا البلد، وباعتباري ناقل للحقائق لا يحيد بي ذلك عن القول الصريح، ومن حقي أن أنقلها لك ما دمت أعرفها، ومن حقك أيضا أن تعرفها كما عرفتها ، لأننا أبناء هذا البلد، وما في هذا البلد لي ولك وللجميع، فلا بد ان يعرف ذلك الكل، وبعد ذلك ما يكون من ذلل فإن ذلك يمس كرامة هذا الشعب، وعندما نقول هذا الشعب فإننا نقصد بذلك الجميع، بما في داخله أنا وأنت وهو وهم، فكلانا من هذه الناحية يحق لنا أن نعرف ما في هذا البلد، لأنه ينبغي أن يعرفه الجميع، والبلد ملك لنا.

      ولأنك عالم بأننا جميعا نملك هذا البلد أردت أن نرتقي معا، وكيف لا نرتقي ونحن في طريقنا نحو التقدم، ولكن العقبة التي كبلتنا أرجعتنا للتخلف، و أسوق لك بكلام بسيط قاله واحد منا، أي المفاليس: لو جعلني الله استلم السلطة ترى كيف أنني أعز مكانة هذا الشعب، واضعه على حسب قدره حتى يحترمه الآخرون، في الوقت الذي أضاعت فيه الحكومة الآن مكانة الشعب.

     ولأنني مهتم لأمرك سمعت أحدهم أي من المفلسين يقول ليته امتلك قدر من المال، لا كمال بن طلال، ولا كمال دانقوتي، المهم أن يكون مال ولو كمال هارون بيستو، فإنه بذلك سيرفع بذلك عن الشعب الثقيل، أغاظ زميله الذي يرى بأنه أقرب إلى المال منه، فقال لو ننتظر منك أنت حتى ترفع عنا الثقيل فالأفضل أن تقسم لنا بلادنا، وكل منا يبحث بماله عن وطن وعن مأوى وعن أقارب وعن أصدقاء … يا للعار.

       للمفاليس حكاية وحكاية، ولهم كلام مره مر، وحلوه حلو، ولأننا ــ أي المفاليس ــ لا نملك إلا السنتنا  التي نقول فيها ما نريد، لا يتحتم علينا أبدا أن نكف فمنا عما نبتغيه، وهل غيرنا بجاد تجده يمتلك هزمة من المال، وهيبة من الجاه، ومنزلة من المنصب، بقادر على قول الحقيقة، وفضفضة الحديث في الذي يجب أن يقال عن الذي ينبغي أن يكتم! الذي أردت اخبارك به رغم كل ذلك ما وضع هذه البلاد في هذه المنزلة، ولما كانت الحكاية للمفاليس فإننا لا نقول لك إلا الحق، والحق إن هذه البلاد مصيرها الهوان.

       مهلا لا تأخذ كل ما أسوقه لك مأخذ الجد، انتظر حتى تسمع مني البراهين والأدلة، فنحن لا نقول كلاما بدون حجج تحيلك إلى الصواب، ولا أقول كل ذلك وأتركك في الأخير إلى مثل ما قاله جون شتاينبك عندما أكمل رائعته عناقيد الغضب (لقد فعلت كل ما في وسعي لأحطم أعصاب القارئ الي أقصى حد، ذلك أنني لا أريده أن يكون راضيا) فلا أبتغي أبدا من كل ذلك عدم رضاك إلى ما هو سائد في الواقع، ولكن بتحليلك وفطنتك ستصل إلى الرشد، وسيهديك عقلك إلى الصواب، وعندها تقرر بنفسك ما إن كنت قد أصبت الطريق، أم ما زلت في هاوية التخلف.

       ولا أشك أبدا في معرفتك بهذا البلد، وتلك المعرفة أيضا ليست معرفة هشة، بل هي نابعة من علم رصين، ومعرفة تامة لما يدور في الواقع، وتحليل مؤكد منك لما تراه، لأنك عارف حذق بلا محالة، وتحليلك لما يشاهد في الواقع هو عين الصواب، وما تراه هو عين اليقين، بل وحق اليقين، وهذا ما أردت أن أعرفك به، فينبغي لك أن تشد المئزر للمواجهة، ولما كنت عارف لما في واقعك لا أقول لك كلام آخر، فقط ما أردته إلا التذكير، وليس بعد معرفتك لما في الواقع من كلام!!

 

………………………

المتســـــولون

بقلم : حمزة طاهر باشر

       وهم عندنا بأشكال عدة، ومستويات مختلفة.. و كل واحد هدفه من التسول جمع قدر من المال.. ظانا منه أنه سيخرجه من المأزق، وبذلك يختلف منطقهم نحو التسول.. ومما هو سائد في الواقع انطلق.. حيث المتسولين في الطرقات والمساجد والمكاتب والشوارع العامة، وما دفع هؤلاء للتسول إلا ما يعيشونه من فاقة، وما يعانونه من فقر مضني تآكلت من ضراوته النفوس، فرغم النداء الرباني القائم إلى يوم الساعة (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا) إلا أن غياب دور الدعوة والدعاة جعل الكل في تخبط عشواء من أجل جمع الجمال، وهذا ما حصدنا نتاجه من ظاهرة التسول المبنية على التوسل، لا لرب العباد ولكن لفئة من الناس.

       نشرت صحيفة الشاهد في عددها الواحد الصادر بتاريخ 02 / 11 / 2016 م الموافق 02 / صفر / 1438 ه ما يتعلق بهذا الأمر، وقد تناولت فيه انتشار هذه الظاهرة في أنجمينا، والتي في طريقها نحو الازدياد إذا تمادينا في التعامل بالتعاطف المفرط مع مثل هذه الفئات، فهي بذلك حاثة المجتمع حتى لا يساعد في انتشار مثل هذه الظواهر، وقد أشارت الصحيفة إلى دخول فئات أخرى من المتشردين والعاطلين في مهنة التسول، وذلك لما يجدونه من عطف من المارين في الطرقات، وهذا ما يؤكد لنا تعاطف التشاديين وصدقهم مع الضعفاء بتأثرهم من مثل هذه المواقف التي يهدر فيها بعض الناس الدمعات في بعض الأحيان، وما ينبغي فعله هو مراعات المستحقين للصدقات بدلا من إعطاء كل من له جلباب بال، ونعال مقطوع، وانكسار في الهيئة، وقدر كبير من المثول، بغية التعاطف معه، والإقبال إليه، والتصدق له، فالتعامل الهستيري مع مثل هذه الفئات قد يجعلنا مساعدين لانتشار مثل هذه الظاهرة التي قد تصبح بمرور الزمان وتقلب الأحوال عادة من العادات، ووقتها سنجني ثمارها بدفع فلذات أكبادنا عندما تعسر بنا الحال على مثل هذه الأعمال التي ليس لها مردود إيجابي بأي حال من الأحوال، وما نعيشه الآن من تخلف متشبثين به زائدا لمثل هذه الظواهر.

       الذي دفع الأم الحنون والأب الشيخ العجوز آخذا ابنه الصغير للسير في الطرقات إنما هو الفقر، ولما لم يجد من يكفل له معيشته توجه سائلا الناس قوت يومه، وربما ادخار جزء منه، بعبارات مختلفة وأساليب عدة يسألك الصدقة، منهم من يقف في الطرقات والشوارع المعبدة وعندما تظهر إشارات المرور الحمراء يأتي مهرولا للسيارات وأصحاب الدراجات سائلا إياهم الصدقة، ومنهم من يتحسس المساجد عند أوقات الصلوات وخطب الجمعة، ومنهم من يفترش الأرض طالبا من المارين على الشوارع، ومنهم من يتجول في المكاتب والدكاكين الفاتحة على الطرقات العامة، طالبين كلهم الصدقة، وهم في ذلك رجالا ونساء مثنى وثلاث، اتخذوا من التسول مهنة لما يذوقون من تعب في الحياة، وما فيهم من حاجة إلى قوت اليوم، ولا أتطرق في هذا الجانب إلى ما ينبغي أن تقدمه الحكومة لهؤلاء، ولا يؤدي بنا ذلك إلى أنها ليست لها مسئولية في هذا الجانب، ولكن لكثرة المتسولين وما يقومون به من أدوار مختلفة عدة، دفعتنا بعيدين عن النظر في واجب الدولة، فرغم مهنتهم البسيطة والغير مفضلة إلا لو أن الحكومة قامت بدراسة علمية لهذه الفئات لاستطاعت أن تجد حلولا مناسبة مبعدة إياهم من التسول، وآخذة بأيدي أطفالهم الأبرياء إلى التعليم، وكم هم غيرهم من الآباء المشتغلين وحتى الموظفين من لا يستطيع أن يضمن لأولاده التعليم؟ وكم هي الاستفهامات التي ينبغي أن يضعها الأب الآن قبل أن يأخذ بيد ابنه إلى أي مؤسسة من المؤسسات بغية التربية والتعليم؟؟؟

       وانضم لهؤلاء المتسولين فئة أخرى من المجتمع سالكة نفس الموقف، وهم المهاجرين الذين جاءوا بهم آبائهم من أجل تعليم علوم الدين وحفظ القرآن، فهذا الابن الصغير الذي لا يعرف في العاصمة أحدا لمّا تفرض له الضريبة الأسبوعية  ولا يجد من يتكفلها له يدفعه ذلك للتسول، وقد يكون تسوله أحيانا ناتجا من رغباته التي لا يصل إلى من يشبعها له فيبدأ بما يراه من مهنة يتعاطف معها الكثير من الأفراد في الواقع، فيسأل أحيانا لباسا، وأحيانا أخرى بضعة من الفرنكات، وظهرت فئة آخرى من غير المهاجرين في الأيام الأخيرة في الساحة، وهم الأمهات اللاتي اقتحمن البيوت من أجل الصدقة، وذلك لسوء الحالة التي نعيشها في تشاد، وما يعانينه من جوع، وما دفعهن لذلك إلا عدم وجود ما يأكله الأطفال من عيش، ولا تستطيع الأم التشادية الحنونة أن ترى أبنائها يعانون من الجوع ليوم أو يومين دون وجود أكلة يأكلونها، أو وضع البرمة على النار، ولما رأين هذه الحالة والمعيشة الضنكة التي لا تغيير فيها لجأوا إلى التسول، وذلك من أجل ضمر الجوع الذي أصبح في الآونة الأخيرة هو المطلب الأول، وما ينبغي توفيره قبل كل شيء، ولا نتلكم أبدا عن إجار البيوت، وشراء الملابس، والعلاج في المستشفى والتعليم، فكل ذلك من الترف الممنوع!! وهكذا شهد الواقع متسولين كثر من مساكين ومهاجرين ومتشردين وكفيفين وعاطلين اكتسحوا الساحة من كل فج عميق.

        ما دمنا في الواقع فبث التلفزيون الوطني تقاريره عن أوليك الأشراف الذين يلجؤون إلى البحث عن القوت في بيوت النمل لا يؤدي بنا إلى التعاطف، ولا إلي التوقف لحظة للتأمل في حسن نوايا التلفزيون، ذلك إن كان التلفزيون نفسه في يوم من الأيام يأتي بمن ينفي هذه العملية من أبناء الأمة التشادية لحاجة يبتغونها، ويقرونها اليوم كذلك لحاجة في نفوسهم يريدونها، ورغم ذلك فإنهم ــ الباحثون عن الغلال في بيوت النمل ــ وغيرهم من أصحاب المهنة الشريفة ممن يفضلون العمل بأيديهم ولو من بيوت النمل، ولملمت الغلال في الأسواق، وتكسير الحجارة، يظلون في المقام الأول، لأنهم فضلوا العمل على السؤال، وبذلك يحفظون أنفسهم ومياه وجوههم، ويدخرون ما شاء الله لهم أن يدخروه، ورحم الله امرأ عرفا قدر نفسه،

      فبداية هذه الظاهرة واستمراريتها في الانتشار لا يبشر بخير، وما على الحكومة القيام به هو النظر في هذا الجانب، والكف من انتشاره بأي شكل كان، ورغم أن مشاكلها كثيرة إلا أنها ليست من النوع الذي يهتم بمطالب الشعب ويأخذها من الأولويات التي يجب تحقيقها، وما شاهدناه من توقف في التعليم كاف بأن نحكم على أن جهدها المقدر موقوف على الأمن لا العلم، وما العدالة من ذلك ببعيدة، بينما التعليم والصحة والكهرباء يعد من إفراط الحكومة في العطاء، وليس بالإمكان أن تقدم أكثر مما كان، وما لها بعد ذلك من ملام!!