المجتـــمع المدني في تشـــاد

بقلم: جمعة عبدالرحيم دقش

قبل الحديث عن دور المجتـــــمع المدني في تشـــــاد عليــــــنا أن نأخذ نظرة مبسطة عن مفهوم المجتمع المدني بشكل عام .

نشأ مفهوم المجتمع المدني لأول مرة في الفكر اليوناني الإغريقي حيث أشار اليه أرسطو باعتباره ” مجموعة سياسية تخضع للقوانين ” أي أنه لم يكن يميز بين الدولة والمجتمع المدني، فالدولة في التفكير السياسي الأوروبي القديم يقصد بها مجتمع مدنى يمثل تجمعا سياسيا أعضـــــاؤه هم المواطنون الذين يعترفون بقوانين الدولة ويتصرفون وفقا لها .

تطور المفهوم بعد ذلك في القرن الثامن عشر مع تبلور علاقات الإنتاج الرأسمالية حيث بدأ التمييز بين الدولة والمجتمع المدني ، فطرحت قضية تمركز السلطة السياسية وأن حركة الجمعيات هي النسق الاحق للدفاع ضد مخاطر الاستبداد السياسي ، وفى نهاية القرن الثامن عشر تأكد في الفكر السياسي الغربي ضرورة تقليص هيمنة الدولة لصالح المجتمع المدني الذى يجب أن يدير بنفسه أموره الذاتية وأن لا يترك للحكومة الا القليل ، ومن تلك اللحظة أصبح حراك المجتمع المدني واضحا ومن ثم شريكا فاعلا في اتخاذ القرارات ورقيبا حاضرا لسياسات الحكومة ، وكذلك اضحى دور المجتمع المدني أكثر وضوحا في مساهماته في التنمية الشاملة لبناء الدول والمجتمعات .

فالمجتمع المدني من حيث المبدأ هو نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة وبين الدولة من جهة أخرى ، وهى علاقات تقوم على تبادل المصالح والمنافع ، والتعاقد والتراضي والتفاهم والاختلاف ، والحقوق والواجبات والمسئوليات ، ومحاسبة الدولة فى كافة الأوقات التي يستدعى فيها الأمر محاسبتها ، ومن جهة إجرائية ، فإن هذا النسيج من العلاقات يستدعى ، لكى يكون ذا جدوى ، فلابد أن يتجسد في مؤسسات طوعية اجتماعية واقتصادية وثقافية وحقوقية متعددة تشكل في مجموعها القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها مشروعية الدولة من جهة ، ووسيلة محاسبتها إذا استدعى الأمر ذلك من جهة أخرى ، فالمجتمع المدني هو مجتمع مستقل الى حد كبير عن إشراف الدولة المباشر ، فهو يتميز بالاستقلالية والتنظيم التلقائي وروح المبادرة الفردية والجماعية ، والعمل التطوعي ، والحماسة والرغبة من أجل خدمة المصلحة العامة ، والدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة ، ورغم أنه يعلّى من شأن الفرد إلا أنه ليس مجتمع الفردية بل على العكس مجتمع التضامن عبر شبكة واسعة من المؤسسات ،

تزداد أهمية المجتمع المدني وتنضج مؤسساته لما يقوم به من دور في تنظيم وتفعيل مشاركة الناس في تقرير مصائرهم ومواجهة السياسات التي تؤثر في معيشتهم وتزيد من إفقارهم ، وما يقوم به من دور في نشر ثقافة خلق المبادرة الذاتية ، ثقافة بناء المؤسسات ، ثقافة الاعلاء من شأن المواطن ، والتأكيد على إرادة المواطنين في الفعل الذى يترك أثر تاريخي وجذبهم الى ساحة الفعل التاريخي والمساهمة بفعالية في تحقيق التحولات الكبرى للمجتمعات حتى لا تترك حكرا على النخب الحاكمة .

مهام المجتمع المدني ، فمن الأدوار والمسؤوليات الهامة والرئيسية التي تهتم بها مؤسسات المجتمع المدني على اختلافها : نقل الهموم العامة والتي تسيطر على المواطنين وتشغل حيزا كبيرا من تفكيرهم الى الجهات المسؤولة من أجل إعادة النظر ببعض القرارات التي تعمل على تعزيز هذه الهموم وزيادتها لدى المواطنين ، الى جانب محاولة التخفيف من الازمات التي قد تعصف بالمواطنين ، والتي قد تتطور الى صراعات مسلحة عنيفة تأتى على الأخضر واليابس في منطقة جغرافية محددة من الوطن ، أو على كامل مناطقه وأراضيه .

ومن ضمن مسؤوليات المجتمع المدني الدفاع عن الفئات التي تعانى من اضطهاد في المجتمع ، بالإضافة الى متابعة حقوق الانسان ، ومراقبة تنفيذها على ارض الواقع ، والاعلام عن وجود انتهاك ما في منطقة معينة من المناطق لهذه الحقوق ، عدا عن مسؤولياتها في إطلاق وإدارة الحملات المختلفة التي تساعد على بث المفاهيم الرئيسية والاساسية مما يهم الانسان ، ويصون له كرامته ، ويعرفه بأبرز حقوقه ، وواجباته التي يجب عليه ألا يفرط بأيٍّ منها … أما عن دور المجتـــــــــمع المدني في تشــــــــاد هذا ما سيكـــــــــون حديثنا في المرة القادمة ان شاء الرحمن .