قطرة قطر الــتي مـــلأت الكأس

يبدو أن توتر العلاقات بين السعودية والامارات والبحرين من جانب وقطر من جانب آخر من أبرز قضايا الساعة  فقد تفجر الوضع بسرعة الديناميت للوصول إلى قطع العلاقات دبلوماسيا وانسانيا وذوقيا ، فإذا تساءلنا عن قطرة قطر التي جعلت الكأس ترغى و تزبد وتفيض محدثه كل هذه الزوابع والاستنفار من قبل شقيقاتها الثلاث في مجلس التعاون الذي يصح أن يطلق عليه بعد اليوم مجلس التباغض ، هناك بعض الحجج والمبررات تساق كالتقارب القطري الايراني أو ما تشكله نواياها المبيتة أو المسربة يشاع أن قراصنة اخترقوا رسائل لأمير قطر، أو ربما اختلقوا رسائل مزيفة تنطوي على تهديدات للمنطقة ، لكن هل حدث ذلك بين عشية وضحاها ، إذا سلمنا جدلا بذلك ولماذا لم تكن هناك مقدمات لهذا الفصام النكد بالنسبة لبعض الدول كالسودان الذي يجد نفسه أمام خيارين حلوهما مر ، لأنه لا يريد أن يخسر احدى الحسنيين ، فاعتمد سياسة النعامة دفن الرأس في الرمال بعيدا عن عواصف الخلجان ، ومع ذلك طلبت منه دول المحور السعودي توضيح موقفه ، ودول المغرب العربي (الجزائر المغرب تونس ) لم يصدر منها موقف منحاز لطرف على حساب آخر ، أما موريتانيا فقد وقفت مع السعودية كما هو متوقع أن تفعل.

ويذهب رئيس تحرير Jeune Afrique  فرنسوا سودان إلى أن السعودية في تصعيدها ضد قطر تعتبر من ليس معها فهو ضدها ، ويرى أن السعودية التي تفضل تقديم الدعم المباشر إلى الرؤساء على تمويل المشاريع التنموية ، قد اتبعتها الدول الافريقية الضعيفة التي تعاني من أزمات اقتصادية. ويخلص فرنسوا سودان إلى أنه إذا كانت قطر تلام على دعمها للإخوان في العالم وبعض الحركات الاسلامية فإن السعودية هي أم كل الحركات الجهادية .

ويرى بشير بن يحمد أن أسباب الخلاف الحقيقية تكمن في رفض قطر للوصاية المطلقة La tutelle absolue التي تمارسها السعودية على مجلس التعاون الخليجي ، حيث لا يسمح لأية دولة من الأعضاء اعتماد دبلوماسية مستقلة . ويخلص بن يحمد بأن قطر تسدد فاتورة استقلاليتها.

قطر ترى في حملة جيرانها اجحافا في حقها مما جعلها ترتمي في احضان ايران وتركيا.

هل قطر بريئة من دم الارهاب ؟

قطر الدولة الغازية Etat gazier   (من الغاز) والغازية للعالم (من الغزو) لمع اسمها في عام 1990 تطلعت إلى أدوار اقليمية في بؤر الصراع التي يترتب عليها اعادة تشكيل المنطقة أو بلقنته ، احتضنت انتفاضات الربيع العربي في مصر وليبيا وسوريا وروجت لها عبر قناتها الموجهة الجزيرة . رغم صغر حجمها وقلة سكانها إلا أنها اعتبرت نفسها دولة عظمى ومؤثرة ولا يمكن أن يتم شيء بدونها كيف لا وهي واحدة من أغنى دول الأرض وثالث أكبر احتياطات الغاز في العالم . وحول دعمها للجماعات المتشددة ، فقد شجعت قطر التيارات الاسلامية ودعمتها ماديا واعلاميا بطريقة مباشرة وغير مباشرة . السياسة السعودية تعتبر الاخوان المسلمين ارهابيين بينما تدعمهم قطر وتوفر لرموز هذه الجماعة المأوى كما هو الحال مع القرضاوي .

تشير صحيفة الأصداء الالكترونية Les échos أنه في عام 2010 كشفت وثيقة دبلوماسية أمريكية من خلال تسريبات ويكيلكس تصف قطر بأنها الأسوأ في المنطقة فيما يتعلق بالتعاون مع واشنطن من أجل تجفيف مصادر تمويل الجماعات المتطرفة ، وتضيف الصحيفة في نفس السياق أنه بعد الهجمات الارهابية على صحيفة شارلي الأسبوعية Charlie Hebdo 1915 م وجه بعض المسؤولين الاوروبين اصابع الاتهام إلى قطر كما أن فكرة رعيها للإرهاب بات حاضرا في النقاشات في الأوساط الأوروبية.

وذكرت الصحيفة Les échos أن مسؤولا أمريكيا في الخزينة أكد بأن قطر مثل الكويت يعوزها الارادة اللازمة لتنفيذ القوانين المانعة لتمويل المنظمات الإرهابية ، وبعد أيام قليلة ثمنت الولايات المتحدة الأمريكية جهود قطر الايجابية في إعاقة تمويل الجهاديين ومحاربة الدولة الإسلامية.

ماهي السيناريوهات المحتملة ؟

يبدو من الوهلة الأولى أن الأزمة بين قطر وجاراتها وما دار في فلك الجارات من دول ودويلات ، وكأن الأمور وصلت إلى نقطة اللا عودة ، ولكن لا مستحيل في السياسة ، والسياسة فن الممكن ، لذلك من المتوقع أن تتم المصالحة بين الأشقاء الفرقاء خصوصا مع ضغوط الوساطات من قبل دول كالولايات المتحدة أو تركيا ، أو عن طريق مساومات وراء أبواب مغلقة ، لكن هل ستعود المياه إلى مجاريها كما كانت وعفا الله عما سلف ، هذا مستبعد جدا، لأنه ستبقى ظلال التوجس والريبة مخيمة ، فالحزازات بين قطر والسعودية موجودة منذ فترة ليست بالقصيرة ولم يتم تداركها واجتـــثاث جذورها فنمت ووصلت إلى ما وصلت إليه

أما أن ترضخ قطر للشروط المفروضة عليها كإغلاق قناة الجزيرة ، وعدم التحالف مع ايران أو نبذ الإخوان المسلمين ، فإن رد قطر سيكون شبيه بما جاء على لسان الشاعر الذي قال :

           إذا محاسني اللائي أدل بها   ***  كانت ذنوبي فقل لي كيف اعتذر

أما فرضية الالتماس ونشوب الحرب بين السعودية وحلفائها وقطر ومن معها رغم أنها غير مستبعدة كليا إلا أن درجة وقوعها ضئيل الاحتمال فالسعودية لم تنته بعد من جبهتها في الجنوب مع اليمن فهي في غنى عن فتح جبهة أخرى حتى لا تقع بين فك كمّاشتي ايران التي لا تفتأ تحقق خطوة لموطئ قدم بعد أي زعزعة تحصل في المنطقة مسلحة بما يسميه أحد كبار الصحفيين بسلاح السيطرة على النفس والهدوء .

أما السيناريو الثالث والأخير المتوقع والمحتمل جدا هو استمرار الوضع كما هو أي لا حالة حرب ولا مصالحة لأن هذه الحالة في صالح بعض الأطراف الاقليمية والدولية .

والأمر الجدير بالملاحظة في هذه الأزمة ، كأن قطر تتحرك وفق خطوات مدروسة ومحسوبة بينما يغلب على تصرفات السعودية الانفعال والارتجال وما على حلفائها إلا السمع والطاعة

رغم أن الســـعودية أكبر والكبير من المفـــترض يكون أكثر حكمة ، وإن وجدت دراسات فقد وضعت لتتوافق مع مزاج السلطة المالكة .

 

This entry was posted in News2.

One thought on “قطرة قطر الــتي مـــلأت الكأس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *